د. سامي عبد الحليم سعيد

مقدمة:

أصبح لمنظمات المجتمع المدني  حضور ملحوظ في حياة المجتمعات الحديثة، وصار لها تأثير في حياة الناس على كافة المستويات، بخاصة في المسارات التي نظمتها الامم المتحدة حول التنمية وحقوق الانسان والبيئة وغيرها. و لمنظمات المجتمع المدني، في السودان، دور هام، لا سيما عند النظر الى المساهمات الكبيرة للمجتمع المدني في رفع كفاءة المواطنين و المجتمعات المحلية، في الصعد الاقتصادية و الثقافية و التقنية و غير ذلك. يكتسب هذا الدور اهمية ضافية، في هذه الحقبة التاريخية من عمر السودان، بما تقوم به هذه المنظمات من دور حيوي، و لا بديل له، في معالجة افرازات الحرب و الفقر و النزوح، و التدهور الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي، و التراجع الملحوظ في الخدمات العامة الأساسية، في جانبيها الكمي و النوعي التي تقدمها الحكومة. بالتالي، أصبح من المهم بالضرورة، إعادة التفكير، بصورة موضوعية، في واقع دور مؤسسات المجتمع المدني، و الدور الكبير الذي تضطلع به، في ظروف السودان الراهنة، حيث أنها، و من خلال إزكاء روح التطوع و التسامي عن الفردية، تلبي العديد من إحتياجات المجتمع الأساسية، و التي قد لا تستطيع السلطة العامة الوفاء بها.

لقد أثبت تاريخ العمل المدني الطوعي في السودان، قدرة تلك المؤسسات الطوعية، في تحسس التحديات التي يواجهها المجتمع، بصورة علمية و مبتكرة، و كذا في إيجاد الحلول المجتمعية و البدائل المناسبة، و الاسهام في  تنمية و رفاه المجتمع. هذا الواقع يفرض على، متخذي القرارات العامة، و مؤسسات التخطيط الإستراتيجي، ضرورة الإنتباه إلى دور منظمات المجتمع المدني في السودان، في سياق التنمية الشاملة، و تكامل الأدوار بين كل العناصر الفاعلة في عجلة التنمية، و الوضع في الاعتبار الدور الذي تلعبه منظمات العمل الطوعي، في التنمية، و الطاقات و الخبرات الغير محدودة، التي تبذلها في هذا السبيل.

المهم جداً هنا، التأكيد على أهمية الربط بين، توفير “عناصر التنمية” و الوفاء بـ “الحقوق”، لما لذلك من علاقة  جدلية بين التنمية  و عملية السلام و التعايش السلمي و الأمن الانساني، و من هناك يتضح بشكل جلي، أهمية دور منظمات المجتمع المدني في بناء السلام و الديمقراطية، كمحفزات لعملية التنمية الشاملة، مما يستدعي إعتباره عند أية مشروع للتخطيط التنموي في السودان.

و تتكون منظمات المجتمع المدني في السودان من طيف واسع جداً من المؤسسات الأهلية، الغير حكومية، التي ظلت، على مدى تاريخ السودان، تستوعب المؤسسات المجتمعية المتنوعة ، التي تتمظهر في بعض صورها، في المؤسسات الطوعية الأهلية، الرياضية و الثقافية و الأجتماعية والخدمية و الدينية و المهنية، و الأكاديمية و البحثية و غيرها، و التي تقوم بالأنشطة والأعمال الاجتماعية التي تستهدف تنمية المجتمع و رفع كفاءته، وغير ذلك من المجالات التي يمكن للمجتمع المدني أن يساهم فيها، دون أن تكون الغاية من وراء ذلك هي التجارة أو الربح، أو المصلحة الذاتية للأعضاء[1].

الإطار العام لدور المجتمع المدني في التنمية في السودان:

كانت الاستراتيجية القومية الشاملة  1992م – 2002م[2] ، التي وضعتها الحكومة السودانية، قد أفردت فصلاً كاملاً لاستراتيجية العمل الطوعي والخيري، وحددت الغاية القومية للعمل الطوعي الخيري في  أن يقوم على “تحقيق نهضة اجتماعية شاملة تستلهم المواطنين، تكاملاً وتعاضداً  وتراحماً، واعتماد المجتمع على نفسه في تلبية معظم احتياجاته”.

و في ذات السبيل ذهبت الاستراتيجية القومية الربع قرنية 2002 – 2027 ، في الفقرة الثالثة من  المجال الإجتماعي و الثقافي، بالنص على ” التصاعد بأدوار المجتمع المدني بكل منظماته الحديثة و تكويناته الاهلية الى مستوى المشاركة الكاملة للدولة في وضع الخطط و تنفيذ البرامج و ارساء المقومات الداعمة لقيام مجتمع المعرفة التقنية و الابداع العلمي”.

و على الرغم من عدم وضوح دور منظمات المجتمع المدني في الإستراتيجية القومية للدولة، على نحو الدقة، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أن الاستراتيجية العشرية، و لآحقا الإستراتيجية الربع قرنية، تقترحان للمجتمع المدني، دور هام في تحقيق نهضة إجتماعية شاملة، و في مشاركة الدولة في التخطيط و التنفيذ التنمويين، و في المساهمة في تحقيق التنمية العلمية و التقنية.

و إذا كان ذلك هو الوضع ، على صعيد التفكير الإستراتيجي ، و الرؤية المركزية للدولة في شأن إشراك أو إستيعاب المجتمع المدني في التنمية. فأن تلك الرؤية المركزية، الداعية لتأسيس شراكة مع المجتمع المدني لتحقيق التنمية الشاملة، و بالقدر الذي نرى فيه جانباً من الإيجابية، فإننا أيضاً، نرى حوجة ذلك التوجه لبناء مؤسسات و سياسات، تعمل على تفعيل ذلك الدور المطلوب من منظمات المجتمع المدني في السودان.

و بتحليل أوضاع العمل الطوعي منذ تاريخ إجازة قانونه الراهن لسنة 2006، نجد أنه لم يستوعب مقتضيات التنمية الراهنة، و فشل في إستلهام الرؤية التي ذهبت اليها الإستراتيجية القومية الربع قرنية، فضلاً عن حوجته الى العديد من الاصلاحات ليتواءم مع مقتضيات أهداف التنمية المستدامة الصادرة عن الامم المتحدة.

تعريف المجتمع المدني

يعرفها البعض بأنها ” مجموعة المؤسسات و التنظيمات و الأنشطة، التي تحتل مركزاً وسيطاً بين العائلة باعتبارها الوحدة الأساسية التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي في المجتمع من ناحية، و الدولة و مؤسساتها و أجهزتها ذات الصبغة الرسمية من ناحية أخرى”[3].

و يعرفه آخر بأنه “مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة و الدولة، اي بين مؤسسات القرابة و مؤسسات الدولة التي لا مجال للإختيار في عضويتها” هذه التنظيمات التطوعية الحرة تنشأ لتحقيق مصالح أفرادها، او لتقديم خدمات للمواطنين، أو ممارسة أنشطة إنسانية متنوعة و تلتزم في وجودها و نشاطها بقيم و معايير، مثل المشاركة و الإدارة السليمة للتنوع و الإختلاف.[4]

يرى محمد عابد الجابري أنه مهما كان الاختلاف في تعريف المجتمع المدني، فإن ما هو بديهي ولا يمكن أن يكون محل اختلاف، هو أن المجتمع المدني أولا وقبل كل شيء «مجتمع اهلي» ، وأن مؤسساته هي التي ينشئها الناس بينهم، لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، فهي إذن مؤسسات طوعية، يقيمها الناس وينخرطون فيها، أو يحلونها، أو ينسحبون منها.[5]

رغم تعدد واختلاف التعريفات الخاصة بالمجتمع المدني[6] فإن معظمها يركز على خصائص أساسية يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. الطوعية:

أن تنظيمات المجتمع المدني تتأسس بناء على الرغبة المشتركة لعضويتها، وانطلاقاً من إرادتهم الحرة، أو الطوعية، وبالتالي فهي مؤسسة طوعية، وتمارس نشاطاتها التي تستجيب للأهداف التي سطرتها لنفسها بعيداً عن أي ضغط أو تأثير خارجي، و الانضمام لها او الانسحاب منها، أيضاً يكون طواعية.[7]

  •  الاستقلال عن الدولة:

استقلال المجتمع المدني عن الدولة لا يعني بالضرورة أنه نقيض أو خصم لها، بقدرما يعني “عدم التبعية”، و تكون طبيعة العلاقة مبنية على الشراكة والتعاون، ولذلك يصف البعض دور المجتمع المدني بأنه مكمل للمهام التي تقوم بها مصالح الدولة.

وبالتجربة التاريخية، يمكن التقرير ، بدون تردد، بان منظمات المجتمع المدني في كثير من الأحوال تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الحكومة، و ذلك لأنه، في غالب الأحوال تحاول الحكومات أن تقيد من حرية نشاط منظمات المجتمع المدني، من خلال قوانين تفرض تدخل الحكومة في تكوين ونشاط منظمات المجتمع المدني[8]. ومن الواضح أن منظمات المجتمع المدني، تجد نفسها في وضعٍ مختل فيما يتصل باستقلاليتها، حين تكون الحكومة مشرفةً على أنشطتها، فإذا أردنا أن نحافظ على استقلالية عمل منظمات المجتمع المدني لابد أن تؤسس هيئة مستقلة، على غرار ما ذهبت اليه القواني الخاصة بهيئة النزاهة أو مفوضية الانتخابات، و التي فيها يتم تعيين أعضاء الهيئة من خلال إجراءات يشارك فيها البرلمان بوصفه ممثلا للشعب مع السلطة التنفيذية بوصفها مسؤولة عن إنفاذ القوانين.

  • الديمقراطية عامل حاسم في نمو المجتمع المدني

علاقات التكامل بين المجتمع المدني والدولة على النحو المذكور، لا تتحقق إلا في الدولة الديموقراطية التي تكون فيها السيادة للأمة، والشعب مصدر السلطات، وتتميز بشفافية تدبير الشأن العام، وتخضع فيها كل العلاقات لسيادة القانون، أما إذا كانت الدولة تقيد الحريات، وتنهج أسلوب القمع مع الأفراد والجماعات، فإن هيئات المجتمع المدني في هذه الحالة، إن وجدت، تكون مصنفة من قبل الحكومة على أنها قوة معارضة.

والارتباط الوثيق بين الديمقراطية والمجتمع المدني، جعل البعض يرى أن منظمات المجتمع المدني لا توجد إلا في دولة ديمقراطية[9]، غير أن هذه الفكرة ليست قطعية، لأن كثيرا من الجمعيات المدنية تأسست في ظل أنظمة غير ديمقراطية في دول مختلفة من العالم، وكثيرا ما كان المجتمع المدني يستعمل كأداة لمواجهة أنظمة الحكم الاستبدادي المطلق، و يتمثل ذلك بشكل واضح، على الصعيد السوداني، في تجربة جمعية اللواء الأبيض و مؤتمر الخريجين، و كذلك تجربة الإتحاد العام للشغل في تونس قبل و إبان إندلاع الثورة التونسية في عام 2011، وهناك تجربة معروفة في الربع الأخير من القرن العشرين، والمتمثلة في الدور الذي قامت به منظمة (تضامن) في بولونيا، حيث واجهت النظام الشمولي الذي كان مواليا للاتحاد السوفييتي قبل انهياره، وأدت تلك المواجهة إلى نهاية ذلك النظام في بولونيا[10].

و حسناً فعلت المادة 40 من الدستور السوداني الحالي حين قامت بتوجيه المشرع الوطني بالقول أن ” ينظم القانون تكوين وتسجيل الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المھنية وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي”، و عبارة  (وفقاً لما يتطلبه المجتمع الديمقراطي) حاسمة جداً بالنسبة للمشرع، إذ عليه أن يلتزم في تشريعاته الخاصة بتنظيم أنشطة المنظمات الطوعية بمتطلبات المجتمع الديمقراطي.

  • خدمة الصالح العام:

إن أعمال ومبادرات منظمات المجتمع المدني تصب في خدمة الصالح العام، من خلال تقديم خدمات لفائدة المجتمع، أو بعض الفئات المستهدفة منه، و بدون قصد تحقيق أرباح مالية أو منافع ذاتية، وهناك مجالات و أنشطة كثيرة ومتنوعة يعمل فيها المجتمع المدني، لا سيما في البلدان النامية التي تعاني من التخلف و الفقر[11].

تعريف التنمية:

ونظراً لتباين مستوى التنمية بين الدول المتقدمة وتلك النامية، فقد انقسم الفكر المعاصر في تعريفها إلى تيارين رئيسين : أحدهما يمثل الفكر الاقتصادي الغربي الذي عرف التنمية بأنها: العملية الهادفة إلى خلق طاقة تؤدي إلى تزايد دائم في متوسط الدخل الحقيقي للفرد بشكل منتظم لفترة طويلة من الزمن. أما التيار الآخر، فقد تمثل بدول العالم الثالث النامية، وعرف التنمية على أنها، العملية الهادفة إلى إحداث تحولات هيكلية اقتصادية و اجتماعية يتحقق بموجبها للأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، مستوى من الحياة الكريمة التي تقل في ظلها فرص عدم المساواة، وتزول بالتدريج مشكلات البطالة والفقر والجهل والمرض، ويتوفر للمواطن قدر اكبر من فرص المشاركة، وحق المساهمة في توجيه مسار الشئون العامة.

من قراءتنا لنهج هذين التيارين، وعلى الرغم من اختلاف هذين التيارين حول أهمية التركيز على تقليص ظاهرة عدم المساواة وضرورة تحقيق توزيع أكثر عدالة لناتج التنمية، أرى بأنهما متفقان على ضرورة وجود قاعدة إنتاجية سليمة، مادية، وبشرية، قادرة على رفع متوسط دخل الفرد مع تحقيق كفاءة عالية لأداء المجتمع تودي إلى تزايد منتظم في إنتاج السلع والخدمات بمعدل يفوق التزايد المتوقع في عدد السكان[12].

المجتمع المدني يعمل على تعزيزالحق في التنمية:

و مشاركة المجتمع المدني في عمليات التنمية، تكتسب أهمية كبيرة، لا سيما في دول العالم النامية، لكونها تعمد على سد العجز في دور مؤسسات الدولة الرسمية، و لذلك من الملاحظ ان دور المجتمع المدني يتصاعد بشكل ملحوظ في الدول ذات الاقتصاديات الضعيفة، بينما في الدول المتقدمة او الثرية، تقوم الدولة بمعظم الاحتياجات الاساسية للمواطنين. بالتالي ان مشاركة المجتمع المدني في عملية التنمية، أمر في غاية الأهمية بالنسبة للمجتمعات المحلية في الدول النامية، و ذلك لما تقدمه لهم من فرص نحو التنمية و الرفاه. و لذلك شجعت الأمم المتحدة على إشراك المجتمع المدني في إنفاذ أهداف التنمية المستدامة، للإسراع في تلبية متطلبات “الحق في التنمية”.

و “الحق في التنمية” يشمل الإعمال الكامل لحق الشعوب في ان تقرر مسارات مستقبلها، اي ان تقرر ما يتصل بحياتها، و من خلال هذا المبدأ تمارس الشعوب حقها في السيادة التامة على جميع ما يتوفر لديها من ثروات وموارد طبيعية وكذلك الحق في الحياة، وتتكامل هذه الحقوق مع بعضها لتشكل الأطار الحقوقي للحق في التنمية[13]. ومنذ اعتماد الإعلان الحق في التنمية في 1986م ظهرت على الساحة الدولية محاولات عملية تهدف إلى تعزيز دور المجتمع المدني في إنفاذ هذا الحق بالاضافة إلى إنشاء آليات أممية تعنى بتعزيز الحق في التنمية و لتؤكد على أهمية هذا الحق بوصفه جزءاً من منظومة حقوق الإنسان الدولية[14].

و “الحق في التنمية”، يتصل بشكل مباشر بـ “الحق في العدالة”، و هذا الإتصال جوهري و حاسم، بالقدر الذي يمكن القول معه، انه لا يتحقق الحق في التنمية في غياب الحق في العدالة. و مفهوم العدالة في هذا السياق، هو مفهوم شامل،  يهدف الى الانصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية المصالح الفردية والعامة وهو مفهوم يقوم على الحق والأخلاق، والعقلانية، والقانون الطبيعي .

التطور التاريخي لمساهمة المجتمع المدني السوداني في التنمية:

من خلال رصد مساهمة المجتمع المدني السوداني في التنمية، من السهل ملاحظة أن تلك المساهمات تمت من خلال تقديم خدمات طوعية و خيرية و وقفية، عمدت الى تغطية مجموعة من الإحتياجات و الأنشطة، الهامة في مشروع تنمية و تطور المجتمع، و بالفعل كانت لتلك المؤسسات و الأنشطة دور فاعل و مشهود في تحقيق مستوى من أهداف التنمية، في ذلك الوقت.

  1. التعليم الأهلي و الانتاج الثقافي و الفكري:

لقد شهد تاريخ العمل الطوعي في السودان، إسهامات ملحوظة للمجتمع المدني في دعم النمو و التطور الاجتماعي، من خلال تفعيل الاعمال الخيرية و الوقفية التي تقوم بها الأسر الثرية و الشخصيات الدينية المرموقة في المجتمع. ففي الوقت الذي كانت فيه الحكومة تقوم ببناء مدارس عمومية، لتقديم مناهج تعليمية تفي بإحتياجات الديوان الحكومي، قام المجتمع المدني بالمقابل ببناء المدارس الأهلية الدينية الإسلامية و المسيحية التى تهدف الى إرساء قيم الدين. وقد كان قيام المعهد العلمي بامدرمان معلماً أساسيا في مسيرة التعليم الديني الأهلي في السودان.

و بجانب التعليم الديني، إنتشرت للمجتمع المدني السوداني انشطة ذات طبيعة ثقافية و فكرية، من خلال الجمعيات الثقافية في بدايات القرن العشرين، وصدرت ضمن ذلك أول جريدة سودانية باسم (حضارة السودان).

 و على صعيد تنمية الشعور الوطني و المطالبة بالاستقلال من المستعمر البريطاني، تكونت جمعية اللواء الأبيض ، وهي التى نظمت ثورة 1924، وقد أسهم في إنجاح هذه الثورة وجود الطبقات المتعلمة في المدارس المختلفة وكلية غردون التذكارية.

كان إنشاء مؤتمر الخريجين في عام 1938، تعبير واضح عن إتساع طبقة الخريجين، و التي جاءت كنتيجة لانتشار التعليم، لا سيما التعليم الأهلي. فقد تم افتتاح المدرسة الأهلية في ام درمان عام 1927.

كان هناك محوران أساسيان في تفكير أعضاء مؤتمر الخريجين بجانب القضية السياسية وهما محاربة القبلية والامية بوصفهما عائقين للوعي السياسي الوطني. لذلك اهتم المؤتمر بالتوسع في إنشاء المدارس الأهلية، فقد دعي المؤتمر الى تأسيس معهد القرش في عام 1939 ليأوي الأيتام ويقوم على تأهيلهم في ورشة تابعة للمعهد للتدريب المهني و الحرفي. وقد أقام المؤتمر (يوماً للتعليم) في عام 1941 لجمع التبرعات لتشييد المدارس الأهلية [15].

  • تكوين المنظمات العمالية و الفئوية الأخرى:

مع بداية تأسيس السلك الإداري الحكومي، و إنشاء المشاريع و الورش المرتبطة بالحكومة الإستعمارية، ظهرت التجمعات العمالية التي بدأت في المقاهي الشعبية، التي كانت تحتضن جلسات النقاش بين العمال، و من تلك الإجتماعات التي إحتضنتها المقاهي، جاءت فكرة قيام (نادي العمال) للعاملين في الحكومة الإنجليزية في عام 1934. و بمتابعة التاريخ السياسي السوداني في تلك الحقبة، يسهُل رصد ارتباط الحركة العمالية بالحركة السياسية، من خلال التحالفات و حملات التضامن،  او من خلال المشاركة الوطنية في التصدي للانتهاكات الإستعمارية. 

و تلاحمت كذلك الحركة النقابية مع الحركة الطلابية من خلال النداء لإضراب في نوفمبر 1950 الذي نادى فيه العمال بإرجاع الطلبة المفصولين لأسباب سياسية من مدرسة خور طقت الثانوية. ولم تكتف الحركة النقابية بالتعاون والتعاضد مع الحركة السياسية في ثورة 1924 ومؤتمر الخريجين ومع الحركة الطلابية في عام 1950 بل تضامنت أيضاً مع حركة المزارعين.

هذا التطور السريع، منذ بدء إنشاء المؤسسات و المشاريع و الورش، و تكوين الإتحادات العمالية، و التفاعل بين المكونات السياسية و الثقافية و النقابية، يعكس النمو في الوعي السياسي و الفكري للطبقات العمالية، بفضل إنشاء مؤسسات نقابية عمالية، برغم أنها لم تحظى بالتسجيل و الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة الإستعمارية. و تواصل هذا التطور في نمو الحركة النقابية، وسط الفئويين، الى أن صدرت في أغسطس 1946 اول مجلة عمالية باسم (مجلة العامل السوداني).

  • تكوين الأحزاب السياسية:

من المهم الإشارة هنا، إلى أن الوعي النخبوي الذي تبدى من خلال إنشاء مؤتمر الخريجين، و تكوين الإتحادات الفئوية، من عمال و مزارعين و طلاب، ساعد في إنتشار و توسيع فكرة مؤتمر الخريجين، بالقدر الذي صار للمؤتمر مائة فرعاً ، و صار مؤتمر الخريجين الوعاء التنظيمي الوطني، و الذي فيه تلاقت الإرادات الوطنية، و تلاقحت فيه المدارس الفكرية. و من المهم الإشارة إلى أنه في مطلع الإربعينات، انشق مؤتمر الخريجين الي اتجاهين سياسيين فتكون (حزب الأشقاء) الداعي للوحدة مع مصر في عام 1943 وقاعدته طائفة الختمية وتكون (حزب الأمة[16]) الذي مال الى بريطانية في عام 1945 وقاعدته طائفة الانصار [17]. و في عام 1944 كان قد تأسس حزب القوميين و الذي ترأس سكرتاريته محمد احمد محجوب[18]، و من بين صفوف مؤسسي جمعية الاتحاد السوداني تأسس الحزب الجمهوري الاشتراكي عام 1951م من بعض زعماء الإدارة الأهلية منهم منعم منصور و يوسف العجب و محمد احمد أبوسن و إبراهيم بدري[19]. و هذه الإشارة جديرة بالانتباه، من زاوية القاء الضوء على إسهام المجتمع المدني السوداني، في تكوين الإتجاهات الفكرية و الثقافية للمجتمع السوداني، ووصل هذا الإسهام مداه، أن أثر في المكونات الطائفية و الدينية، و ساعد في إدماجها في تيار الحركة الوطنية الناشئ في ذلك الوقت.

  • منظمات المجتمع المدني النسوية[20]

تطور العمل الطوعي التنموي وسط النساء، بشكل مُتدرج و مَلحُوظ، فبحسب أشارات الأستاذة محاسن عبد العال ، نشأت الحركة النسوية السودانية، في الأساس ، في أربعينات و خمسينات القرن العشرين، من خلال عمل تدريبي طوعي للفتيات، عُرف وقتها بـ “بيوت الخياطة” والتى كانت بمثابة فصول تعليم و تاهيل مهنى أهلي، و تطورت تلك الفكرة لتشمل أيضا تعليم أصول القراءة و الكتابة، أو ما عُرف بـ “فصول محو الأمية”، و التي تطورت بدورها و أسهمت في إنشاء “رابطة الفتيات المثقفات” بامدرمان في عام 1947 لتعمل فى مجالات تنمية المرأة من خلال صيغ متباينة، منها محو الامية والخياطة والتدبير المنزلي والتوعية الصحية والاجتماعية.

ظهرت الروابط و الإتحادات و الصيغ النقابية النسوية، و قادت حركة التعليم و الوعي و التنمية الفئوية للنساء في السودان في الأربعينات، فبعد ظهور رابطة الفتيات المثقفات ، تكونت في عام 1948 أول منظمة نسائية في مدني بأسم “النادي النسائي” ، و في عام 1948 كانت اول مشاركة ذات طابع سياسي ووطني للمرأة السودانية، حين شاركت مجموعة من الممرضات فى اول مظاهرة عمالية  ضد المستعمر. و في عام 1949 تكون إتحاد للمعلمات والذى انضم كنقابة للحركة النقابية. 

و لعل أبرز ما يمكن الإشارة اليه في سياق مساهمة المجتمع المدني السوداني في تنمية قطاع المرأة، أن الشيخ بابكر بدرى هو من إبتدر التعليم الأهلي التطوعي للفتيات بصورة ممنهجة في عام 1907، و تواصل فيه بدأب حتى إنتشر التعليم النسوي على صعيديه الرسمي و الاهلي. و المحطة الثانية في هذا التطور، كانت في عام 1952، و ذلك بقيام الاتحاد النسائي، و الذي جاء كتتويج للمراحل السابقة المتصلة، و تجميع للأفكار التي ظلت تتداولها المنتديات النسوية التي تكونت منذ بدايات الأربعينات.

المفهوم التشاركي و التحولي في التنمية:

إن دور المجتمع المدني في التنمية، يتأسس على النظرة الكلية التي يقوم عليها النظام السياسي و الفكري المسيطر على المجتمع و القابض على السلطة فيه، و تأسيساً على تلك النظرة، يتسع او يضيق حيز نشاط المجتمع المدني، و دوره في التنمية، بحسب القوانين المتاحة التي تنظم نشاط منظمات المجتمع المدني. و بحسب تقديري، أن منظمات المجتمع المدني، و من خلال خصائصها، لا سيما الطوعية، الإستقلالية، يمكن بسهولة القول بأنها مؤسسات شعبية او جماهيرية، تتسم أنشطتها بالمشاركة. لذلك هي مؤسسات ديمقراطية بالضرورة، و ذلك لكونها مؤسسات تشاركية، شعبية و طوعية و مستقلة.

فعلى سبيل المثال، تكتفي القوى الرأسمالية بوجود مؤسسات للمجتمع المدني في إطار نخبوى تقوم بدورها في تلطيف حدة المشاكل الناجمة عن سياسات التكيف الهيكلي والتحول إلى اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وينحصر دور هذه المنظمات في تقديم الرعاية للفقراء والمحتاجين، وإشباع حاجات خدمية لفئات اجتماعية معينة، بما لا يؤدى إلى تغيير الأوضاع بل يعيد إنتاج الأوضاع القائمة بما فيها من فقر وبطالة وتهميش وافتقاد العدالة، وفى هذه الحالة فإن مؤسسات المجتمع المدني لن تلعب دوراً في تغيير الأوضاع القائمة. وعلى العكس من هذا، نجد إن القوى ذات الاتجاه الديمقراطي والشعبوي تدفع في اتجاه اكتساب مؤسسات المجتمع المدني طابعا شعبيًا يساعدها على القيام بدور تعبوي تغييري يحتاجه المجتمع و بالتالي تساهم في عملية التحول الاجتماعي والسياسي للمجتمع.

و من المنطلق أعلاه من الممكن القول أن إتجاهات التنمية التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني في السودان، يجب أن تنطلق من تلك المعايير التي يقوم عليها عمل المجتمع المدني، فهي تنمية ينتجها المجتمع لمصلحته العامة، لتحقيق تحول تاريخي متعدد الأبعاد، يمس الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، و في ذلك تكون منظمات المجتمع المدني مدفوعة بطاقة ذاتية، تحدد مواطن العجز التنموي، و تقترح البدائل، و تنجز مشروع التنمية، و لا يتحقق للمجتمع المدني ذلك التحول ، إلا في إطار مؤسسات سياسية تحظى بالقبول العام وتسمح باستمرار التنمية. و دون إغفال الاحتياجات التنموية السودانية، حين يكون الأمر متصل بالتنمية التشاركية، من الضروري القول، إن الغايات التنموية التي تسعى إليها منظمات المجتمع المدني، يجب ان تتسم بـ”التحولية” و ” الشمول”. أما المشروعات التي تحاول الدول الغير ديمقراطية، ان تزج فيها منظمات المجتمع المدني، و التي لا تؤثر في عملية التحول الشامل، مثل إعانة الفقراء بجمع التبرعات، تقديم وجبات طعام للمحتاجين، و ما يشابه ذلك، لا يدعم خطة التنمية التي من المفترض أن تعمل عليها منظمات المجتمع المدني. .[21]

في المقابل يجب ان تتسم التنمية التي تعمل عليها منظمات المجتمع المدني في السودان، بالطابع الإستراتيجي طويل المدى، و التي يمكن بمقتضاها،   أن يتم الإنتقال من حالة التخلف إلى حالة التقدم، و هذا الإنتقال يقتضي إحداث العديد من التغيرات الجذرية والجوهرية، إبتداءً من تصحيح مفهوم الدولة لدور المجتمع المدني، و كذلك مفهوم التنمية، و بالضرورة إجراء إصلاحات متصلة بالنظام السياسي السائد .[22]

و بسبب غياب عناصر التحول التنموي المطلوب، و بسبب عدم وضوح  معالم الشراكة مع الدولة، و لغياب الرؤية المشتركة لدور المجتمع المدني في التنمية، نجد أن منظمات المجتمع المدني، تعمل في جزر معزولة عن بعضها، و معزولة عن خطة الدولة التنموية، فبالتالي اصبحت جهود المجتمع المدني في التنمية، عاجزة في ان تتصف بالتحولية و الشمول بالقدر المطلوب.

معوقات مشاركة المجتمع المدني في التنمية:

و لما كانت مساهمة المجتمع المدني في التنمية أمر مهم و ضروري للسودان، يكون من المهم النظر للمعوقات التي ظلت تقف حائلاً، امام المجتمع المدني، و تعطل تقديم اسهاماته في التنمية على النحو المأمول. من أهم المعوقات التي تؤشرها، هذه الورقة ما يلي:

  1. قيود على التمويل:

 منظمات المجتمع المدني، حسب تعريفها، هي مؤسسات غير ربحية، و تبتغي المنفعة العامة للمجتمع، من خلال تقديم أنشطة و أفكار تسهم في تنمية المجتمع المعني. و حتى يقوم المجتمع المدني بتلك الأنشطة، يسعى الى جمع الاموال و الأصول و المعينات من المقتدرين و الخيرين من المجتمع، أو بتلقى الإعانات من ما تخصصه الشركات الكبيرة من إعانات، او من المنظمات الدولية التي تعمل في مجالات طوعية مشابههة، او من الدولة او الدول الأجنبية الصديقة، او غير ذلك من مصادر. و بقدر توفر تلك المصادر، بقدرما يتحقق إسهام المجتمع المدني و المشاركة في التنمية، و بغيابها يغيب ذلك الدور عن المجتمع المدني. و تُعد مسألة تمويل أنشطة المجتمع المدني في السودان، من الموضوعات الشائكة و المعقدة.

و كانت قد نصت المادة السابعة من قانون تنظيم العمل الطوعي، على جواز استقطاب و تلقي التمويل و المنح. و لكن القانون اشترط موافقة المفوضية على المشروع، و كذلك اشترط القانون عدم استقبال اي دعم او منح من شخص اجنبي الا بموافقة الوزير.

ان المادة تجعل مسالة تلقي المنح و التمويل، خاضعة بشكل كامل لإرادة المفوضية، و هذا قيد مؤثر على استقلالية و فاعلية المنظمات الطوعية. و المادة السابعة، أولت اهتمام خاص للمنح التي تتلقاها المنظمات من الخارج، ورهنت تلك المنح الخارجية بموافقة الوزير، وهو قيد لا يجد سنده في الدستور، ولا في المواثيق الدولية، فكان الاجدى بالمُشرع الوطني أن يعطي للمنظمات الطوعية ميزة تفضيلية مثل تلك التي يمنحها للشركات الأجنبية التي تستثمر داخل السودان، و التي تحظى بتشجيع كبير لجلب الاموال الاجنبية الى داخل السودان، بيد أن المنظمات الطوعية التي تعمل لمصلحة قطاع كبير من المستفيدين، و بدون ارباح، وعلى سبيل التطوع والاعمال الخيرية، يفرض عليها االقانون شروط قاسية تمنع من حركة أموال التبرعات إلى داخل السودان لصالح المشاريع الغير ربحية التي تقدمها المنظمات الطوعية.

و قد كان دستور السودان  قد نص في الفقرة (و) من مادته السادسة، على حق المنظمات و الجمعيات في”استقطاب واستلام المساهمات المالية الطوعية أو أي مساهمات أخري من الأفراد أو المؤسسات الخاصة أو العامة”، ونلاحظ ان الدستور لم يضع أي قيود متصلة بجنسية المتبرع، وحتى أنه لا يستخدم عبارته الشهيرة “وفق ما ينظمه القانون” مما يعكس مدى الحرية التي يمنحها الدستور في تلقى الهبات والتبرعات من الافراد والمؤسسات العامة والخاصة.

إن تشجيع المنظمات الطوعية في العمل التنموي، كان يتطلب أن تقدم الحكومة عدد من الاعفاءات و الامتيازات، او منح مالية او عينية، التي تعكس رغبة الدولة في توسيع نطاق مشاركة المجتمع المدني في التنمية. على الرغم من أن القانون نص في المادة 29 على جواز أن يقوم وزير المالية والاقتصاد، بتوصية من وزير الشئون الانسانية، بإعفاء المنظمات غير الحكومية، الوطنية والأجنبية، من الرسوم الجمركية والضرائب، إلا أنه ليس حق تلقائي، بقدر ما هو يتوقف على تقديرات وزير المالية ووزير الشئون الإنسانية.

  • الاتفاقية الفنية للمشروعات التي تقوم بها منظمات المجتمع:

و عند الحديث عن دور منظمات المجتمع المدني في السودان في التنمية، لابد من مناقشة لإجراء هام قامت بوضعه مفوضية العون الانساني، لتنظيم المشروعات التنموية التي تقترحها و تنفذها منظمات المجتمع المدني مع الممولين، و عُرف هذا الإجراء بـ “الاتفاقية الفنية لمشروعات المنظمات الطوعية الوطنية”، و التي تتضمن عدداً من الشروط والمحددات والقيود للمشروعات التي تسعى المنظمات الطوعية الى تنفيذها ، بصورة منفردة أو بالتعاون من منظمة أجنبية. و تتضمن تلك الشروط موضوعات خاصة بحجم المشروع وحجم تمويله، و كيفية صرف اموال المشروع، من خلال تخصيص نسب مئوية لجوانب الصرف المتعددة، و تحديد المؤسسات الحكومية التي يستلزم حصول موافقاتها سواء على المستوى المركزي او الولائي، و شروط خاصة بمدة سريان المشروع، و أيضاً شروط خاصة بأيلولة اموال المشروع وممتلكاته بعد انتهاء اجل المشروع.

و من التجارب العملية التي مرت بها المنظمات الطوعية، يتضح ان تلك الإجراءات تتسبب بشكل مباشر في تعطيل تنفيذ تلك المشروعات، على الرغم من تلك المشروعات تتم بالتعاون او المشاركة مع المؤسسات و الوزارات الوطنية.

من المهم جداً أن يحفز القانون منظمات العمل الطوعي للعمل في مجالات، تعتبر بطبيعتها مهمة للدولة، من زاوية دعم التنمية، والاستقرار والسلام في السودان، وهذا التحفيز، يجعل ذلك المجال جاذباً ومرغوباً، بتسهيل الاجراءات، او تقديم مساعدات وإعفاءات، أو تقديم إعانات عينية، أو حتى تحفيزها من خلال تقديم الجوائز العينية او الشهادات التقدير او غير ذلك. على ضوء هذا، يمكن النظر في المعطيات التي يجب الاستناد اليها عند التفكير في اجراء اي اصلاحات في قانون العمل الطوعي في السودان.

  • عقبات متصلة بالفضاء العام:

بجانب الموضوعات المتصلة بقانون العمل الطوعي، هناك موضوعات متصلة بالفضاء السياسي والإقتصادي العام في الدولة، تؤثر بصورة مباشرة في فاعلية دور منظمات المجتمع المدني في التنمية، من بين تلك المؤثرات الواضحة، تقلص فضاء الحريات العامة التي تؤثر بشكل مباشر في حق التنظيم و التجمع و حرية التعبير، و الذي هو الأساس التي ينطلق منه نشاط المجتمع المدني، كذلك هناك المؤثرات و المحددات التي يشهدها الاقتصاد الوطني، و التي من ابرزها انتشار الفساد، و ضعف الالتزام بمبادئ سيادة حكم القانون و الحكم الرشيد، كلها تقف كعوائق حقيقية أمام تحقيق التنمية الشاملة كما يرجوها المجتمع المدني.

يتحرك المجتمع المدني في نطاق ضيق للغاية، موضوعياً و حركياً، فبسبب العقبات المتصلة بالفضاء السياسي السوداني، صار المجتمع المدني يعاني من محددات عديدة، تحد من حرية الحركة و التعبير، و بالتالي تؤثر بشكل جاد في إستقلالية المجتمع المدني. و الوضع بصورته الموصوفة تلك، أسهم في تراجع إسهام المجتمع المدني في موضوعات التنمية، فصارت موضوعات مراقبة الأداء الحكومي و البرلماني، و التدريب في موضوعات متصلة بحقوق الانسان و الحريات، قد تتسبب في مشاكل بين المنظمات و المؤسسات الحكومية.

  • المشاكل الهيكلية و التنظيمية المتصلة ببنية المجتمع المدني:

و من جهة أخرى تفتقر منظمات العمل الطوعي في السودان للكثير من القدرات و الأمكانات الادارية و الفنية، و ربما نتج ذلك للظروف السياسية و ظروف النزاعات المسلحة المتواصلة التي أسهمت بقدر كبير في تقييد إنتشار عمل المجتمع المدني، و قلل من فرص التواصل مع الفضاء المدني في نطاقه العالمي. و من ذلك نلاحظ ان رؤية المجتمع المدني لإتجاهات التنمية المطلوبة غير واضحة، أو غير متفق عليها، او لم تتم مناقشتها بشكل علمي، لذا من الملاحظ ان منظمات المجتمع المدني، تلتزم بإتجاهات التنمية كما تراها المؤسسات الدولية المانحة، و التي قد تكون في بعض جوانبها، غير مدركة لأولويات التنمية في السودان، او ما تلتزم بإتجاهات التنمية كما تقرها سياسات الدولة العامة للنمو الاقتصادي.

ختاماً: تطور نماذج الإسهام المجتمعي في التنمية.

مع نهاية العقد الأول من الألفية الحالية، أصبحت منظمات المجتمع المدني في السودان تتخذ صوراً أكثر تطوراً، من زاوية إجتراح موضوعات العمل المدني، و المستفيدين، و الآليات، و إستطاعة الإتجاهات الجديدة في العمل المدني أن تتجاوز العديد من القيود، و العقبات، بعد أن تحررت من التعاطي المباشر مع المانحين و المجتمع الدولي، و بعد أن تحررت من الصيغ الكلاسيكية للعمل المدني، حتى تبعد من الصعوبات الادارية و التنظيمية التي تفرضها السياسات و اللوائح و النظم الحكومية التي تنظم العمل الطوعي.

إن ظهور جيل جديد، مستوعب لأهمية العمل الطوعي في السودان، و قادر على توظيف العلاقات التي توفرها تكلنوجيا التواصل الحديثة، و قادر كذلك على توظيف العلم الحديث في خدمة المجتمع، سيسهم في خلق إنتقالة نوعية للعمل الطوعي في السودان، و سيسهم بشكل ملحوظ في خلق التحول الكبير في مستقبل التنمية في السودان.

و على الرغم من أنخراط أعداد كبيرة من الجيل الحالي في أعمال طوعية متميزة، و متباينة، و مؤثرة على قطاع واسع من المستفيدين، إلا أنه في العديد من الأحوال، تجد تلك المجهودات نفسها في مواجهة مباشرة مع الدولة، و ذلك لكونها لا تمتثل للنصوص المجردة للقانون، رغم انها تجسد أهداف القانون في دعم العمل العمل الطوعي و توظيفه في تقديم خدمات طوعية، بدون قصد الربح، لفئآت مجتمعية ضعيفة أو هشة. و من جانب آخر تتواجه هذه المبادرات المجتمعية المتنامية، بسؤال الشفافية، و الديمقراطية في الإدارة، و المحاسبية، و التي قد تسهم الظروف المحيطة بطبيعة العمل الطوعي، في تأجيل تطبيق بعض أو كل تلك المعايير، لضمان إستمرارية العمل و تجنب تعطيله. و لكن في كل الاحوال ظلت تلك المجهودات و المبادرات المدنية، و إن لم تحظى أغلبها بإعتراف السلطات الرسمية، تتنامى بشكل ملحوظ و تستهدف تنمية قطاع واسع من المجتمع.

تنوعت نماذج العمل الطوعي، و تباينت الصيغ الإدارية و التنظيمية التي تحكم تلك الصيغ، و لكنها، و من حيث الموضوع، شملت العديد من الموضوعات التنموية الحقيقية، إبتداءً من التدريب و التوعية، و إنتهاءً بتقديم الخدمات العامة، و أما من ناحية المجموعات المستفيدة من تلك الأنشطة، فهذا موضوع يكاد يكون أكبر من أن يتم حصره، فقد شملت تلك الأنشطة، مستفيدين من القطاعات المهنية، و المجموعات الريفية، و المجموعات المتأثرة بالحرب و النزاع المسلح، و المجموعات المتضررة من مشروعات التنمية القومية، و السودانيين في المهاجر، و اللآجئين و النازحين، و غير ذلك.

المراجع:

  1. قانون العمل الطوعي و الانساني (السوداني) لسنة 2006
  2. الاستراتيجية القومية الشاملة لجمهورية السودان 1992م – 2002م ،
  3. دستور جمهورية السودان لسنة 2005
  4. نورالدين الوردي، دور الشباب في تنمية المجتمع المدني، 28 إكتوبر 2011، نشرت على موقع الحوار المتمدن

http://m.ahewar.org/s.asp?aid=281440&r=0&cid=0&u=&i=4901

  • حمدي عبد العزيز، جريدة آفاق عربية، العدد 708، السنة العاشرة، الصادر في 22 مايو 2005.
  • محمد عابد الجابري، إشكالية الديموقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 176، يناير 1993،
  • برهان غليون، اختيار الديموقراطية في سورية، دار بترا، دمشق 2003،
  • اسراء جبريل رشاد مرعي ، المجتمع المدنى ومساهمته بتنفيذ آليات التنمية المستدامة في اطار محاور استراتيجية ٢٠٣٠ ، دراسة منشورة على موقع المركز الديمقراطي العربي، على الرابط
  • الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها (2200)، في عام 1966
  • إعلان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريودي جانيرو عام 1992م
  • وإعلان وبرنامج عمل المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في فيينا عام 1993م،
  • إعلان الألفية لعام 2000م وما حواه من أهداف وخطط تعرف بـ(الأهداف الإنمائية الألفية).
  • الدكتور محمد عمر بشير ،تطور التعليم في السودان 1898 – 1956 ، الخرطوم 1983،
  • زكى البحيري، التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان – من الأزمة العالمية حتى الاستقلال 1930 – 1956، القاهرة 1987،
  • مدثر عبد الرحيم ، الامبريالية والقومية فى السودان ، اكسفورد 1969 ، “بالانجليزية”.
  • احمد إبراهيم دياب، الإمام عبد الرحمن المهدي وحزب الأمة والاستقلال ، ورقة مقدمه للاحتفال بالعيد المئوي للسيد عبد الرحمن المهدي ، جامعة الأحفاد ، أم درمان ، ديسمبر1996م
  • محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث 1820- 1955م ، مركز عبد الكريم ميرغنى الثقافي- أم درمان ، ط2 ، 2002م،
  • محاسن عبدالعال ، المراة السودانية والعمل السياسى – الحركة النسائيه ، رصيد الحركة الوطنيه، الخرطوم 1997.
  • مصطفى العبد االله الكفري ، التنمية الشاملة والتنمية البشرية ، منشور الكترونيا ، مجلة الحوار المتمدن –
  • قرزيز محمود  و يحياوي مريم، دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية الشاملة في الجزائر، بين الثبات والتغير
  • عبدالسلام فرج على فرحات، دور منظمات المجتمع المدني في التنمية، منشور الكترونيا ، 
http://www.omu.edu.ly/articles/OMU%20Articles/pdf/Issue29/17.pdf

 [1] نورالدين الوردي، دور الشباب في تنمية المجتمع المدني، 28 إكتوبر 2011، نشرت على موقع الحوار المتمدن

http://m.ahewar.org/s.asp?aid=281440&r=0&cid=0&u=&i=4901

[2] الاستراتيجية القومية الشاملة 1992م – 2002م ، (ص 54-55)

[3]    د. محمود عبد الفضيل ، ملاحظات أولية حول بنية و أزمة المجتمع المدني في البلدان العربية – ندوة قضية الديمقراطية في الوطن العربي، ص 486

[4]  حمدي عبد العزيز، جريدة آفاق عربية، العدد 708، السنة العاشرة، الصادر في 22 مايو 2005.

[5] محمد عابد الجابري، إشكالية الديموقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 176، يناير 1993، ص:8.

[6]  نصت المادة 4 من قانون العمل الطوعي و الانساني لسنة 2006 على ان:

  • منظمة المجتمع المدني: يقصد بها منظمة المجتمع المدنى التى تباشر العمل الطوعى الانسانى ليس لأغراض الربح التى يتم تسجيلها وفق احكام هذا القانون .
  • المنظمة الخيرية: :  يقصد بها المنظمة التى يتم انشاؤها بواسطة مواطنين او مجموعات او افراد لديهم المقدره المالية لأنشاء و استمرار الأنشطة الخيرية.
  • المنظمة الطوعية الأجنبية:  يقصد بها المنظمة غير ا لحكومية أوشبه الحكومية ذات الصفة الدولية أو الاقليمية التى يتم تسجيلها بموجب احكام هذا القانو ن او المرخص لها بالعمل فى السودان وفق الاتفاقية القطرية.

[7] نصت المادة 20 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 على أنه ( 1 )  لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية. و (2) لا يجوز إرغامُ أحدٍ على الانتماء إلى جمعية ما.

[8] راجع دور النقابات العمالية في السودان في الفترة التي تلت استقلال السودان، في: صديق الزيلعي، خمسون عاما على ثورة اكتوبر ، الصادر من مركز الدراسات السودانية 

[9] برهان غليون، اختيار الديموقراطية في سورية، دار بترا، دمشق 2003، ص: 117.

[10] محمد مورو، المجتمع المدني إشكاليات المصطلح والممارسة ـ المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديموقراطية، مرجع سابق، ص:109

[11] نورالدين الوردي، دور الشباب في تنمية المجتمع المدني

[12] اسراء جبريل رشاد مرعي ، المجتمع المدنى ومساهمته بتنفيذ آليات التنمية المستدامة في اطار محاور استراتيجية ٢٠٣٠ ، دراسة منشورة على موقع المركز الديمقراطي العربي، على الرابط

[13]  نصت الفقرة (1) من المادة (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها (2200)، في عام 1966، على “حق الشعوب في تقرير مصيرها وأن تكون حرة في تحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.

وجاء في الفقرة (2) من المادة (1): “لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وفق القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة”

[14]  توالت الوثائق الدولية التي تؤكد على أهمية هذا الحق بوصفه جزءاً من منظومة حقوق الإنسان الدولية، منها، إعلان مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية في ريودي جانيرو عام 1992م، وإعلان وبرنامج عمل المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في فيينا عام 1993م، و إعلان الألفية لعام 2000م وما حواه من أهداف وخطط تعرف بـ(الأهداف الإنمائية الألفية).

[15]  أشار الدكتور عبد الرحيم بلال في ورقته المشار اليها في هذا البحث، الى مرجع الدكتور محمد عمر بشير ،تطور التعليم في السودان 1898 – 1956 ، الخرطوم 1983،ص 105

[16] في الأول من يناير عقد اجتماع في أم درمان حضره ثلاثين من الخريجين من بينهم السيد الصديق المهدي– احمد عثمان القاضي– عبدالله خليل – محمد عثمان شوقي– محمد الخليفة شريف لتكوين حزب الأمة، وفي مارس 1945م وافقت الإدارة البريطانية علي قيام الحزب بعد إن تقدم عبدالله خليل سكرتير الحزب بطلب إلي مدير الخرطوم ومعه دستور الحزب للموافقة عليه. راجع: احمد إبراهيم دياب، الإمام عبد الرحمن المهدي وحزب الأمة والاستقلال ، ورقة مقدمه للاحتفال بالعيد المئوي للسيد عبد الرحمن المهدي ، جامعة الأحفاد ، أم درمان ، ديسمبر1996م ، ص11،  بحسب ما تمت الاشارة اليه في : عماد الدين قسم بشير إبراهيم،  الأحزاب السودانية : النشأة والبرامج والاداء1943-1958م، منشور الكترونياعلى: http://www.sudaress.com/sudanile/41498 .

[17]   زكى البحيري، التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان – من الأزمة العالمية حتى الاستقلال 1930 – 1956، القاهرة 1987، صفحة 492. و كذلك، مدثر عبد الرحيم ، الامبريالية والقومية فى السودان ، اكسفورد 1969 ، صفحة 131 “بالانجليزية”.

[18] الأحزاب السودانية : النشأة والبرامج والاداء1943-1958م (2-3). بقلم: عماد الدين قسم بشير إبراهيم 

[19] محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث 1820- 1955م ، مركز عبد الكريم ميرغنى الثقافي- أم درمان ، ط2 ، 2002م، ص484.

[20]  الاستاذة محاسن عبدالعال ، المراة السودانية والعمل السياسى – الحركة النسائيه ، رصيد الحركة الوطنيه، الخرطوم 1997. تمت الإشارة الى هذا المرجع في الورقة البحثية التي تقدم بها دكتور عبدالرحيم بلال في ورقته المشار اليها.

[21]  مصطفى العبد االله الكفري ، التنمية الشاملة والتنمية البشرية ، منشور الكترونيا ، مجلة الحوار المتمدن – www.gasomfa@scs-net.org .1 ص ، 2004-4-26 – 816 ، ببحث تمت الإشارة اليه في ورقة بحثية مقدمة من:

/ أ قرزيز محمود أ / يحياوي مريم، دور المجتمع المدني في تحقيق التنمية الشاملة في الجزائر، بين الثبات والتغير، ، ص 5

[22]عبدالسلام فرج على فرحات، دور منظمات المجتمع المدني في التنمية، منشور الكترونيا ،  ص8،

http://www.omu.edu.ly/articles/OMU%20Articles/pdf/Issue29/17.pdf

أكتب التعليق