رئيس منظمة الدعوة الإسلامية بماليزيا:
• نتعاون مع إندونيسيا وبروناي لإبقاء الملايو بعيدًا عن المدِّ الشيعي.
• 13.000 مسجد لعبت دورًا كبيرًا في تنمية الوعي الديني للأغلبية المسلمة.
• الفهم الصحيح للإسلام ببُعدِه الحضاري مثل حجر الزاوية في نهضتِنا.
• حظْر الأنشطة التبشيرية لم يُنهِ خطر المنظمات التنصيرية، وجهودنا أوقفت زحفهم.
• الغرب يتحمَّل المسؤولية عن احتقان علاقاته مع المسلمين والكرة في ملعبه.
• الدعوة الإسلامية حقَّقت نجاحات باهرة في ولاية “صباح وثروة” ذات الأغلبية المسيحية.
• نُعاني حالة مِن الفراغ السياسي والصراعات أوصلتنا لمرحلة عنق الزجاجة.

كشَف د. محمد نخعي أحمد رئيس منظمة الدعوة الإسلامية بماليزيا عن وجود تعاون مع كل من إندونيسيا وبروناي كي تظلَّ منطقة شعوب الملايو مَعقلاً لأهل السنة والجماعة، وتبقى بعيدة عن المدِّ الشيعي، مُشيرًا إلى أن هذا التعاون وجهود التصدي لمثل هذا المدِّ قد أثمرت عن وجود نوع من الحَصانة لدى شعوب المنطقة للانتفاضة في وجه هذا الخطر، سعيًا للحفاظ على هويتِنا.

وأبدى د. نخعي ارتياحًا كبيرًا لمُستوى ارتباط مسلمي ماليزيا بدينهم، وهو ما يبدو واضحًا في الإقبال على الصلاة والصوم بأعداد تبدو قياسية؛ نتيجة وجود مؤسَّسات إسلامية قوية تضع على عاتقها تنمية الوعي الديني للمسلمين، والاستفادة من وجود 6 آلاف خِرِّيج من جامعة الأزهر أسهموا مع غيرهم في الحِفاظ على هوية مسلمي البلاد.

وقلَّل من خطر المنظمات التنصيرية في البلاد في ظل الأوضاع الاقتصادية المستقرَّة وعدم وجود اضطرابات سياسية بالمعنى التقليدي، مُشيرًا في الوقت نفسِه إلى أن مؤسَّسة الدعوة الإسلامية تُمارس نشاطًا دعويًّا مُكثفًا في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في ولاية “صباح وثروة” ذات الأغلبية المسيحية، وقد حقَّقنا في هذه الولاية نجاحات كبيرة.

وأقر د. نخعي بمرور ماليزيا بحالة من الفراغ السياسي وضعف القيادة السياسية، وبالتحديد في مرحلة ما بعد محاضير محمد، ونأمل في المرحلة القادمة أن نتجاوز مرحلة عنق الزجاجة التي نعاني منها، نافيًا وجود أي نوايا لتطبيع العلاقات بين بلاده وإسرائيل في الفترة الحالية.

وفي السطور التالية النصُّ الكامل للحوار مع رئيس منظمة الدعوة الإسلامية بماليزيا.

تصدَّرت ماليزيا الدول الإسلامية من حيث التقدُّم والنمو الاقتصادي، ولم تُعانِ من أزمة التطرُّف مثلما عانت منه نظيراتها، فكيف حقَّقتم تلك المعادلة؟
د. محمد نخعي أحمد: الفهم الصحيح للإسلام كان السبيل الأهم لتحقيق تلك النهضة؛ حيث انصبَّ الاهتمام بشكل كبير على الجانب الحضاري للإسلام، وحثه على اكتساب العلم والمعرفة وتسخيرها لخدمة المسلمين وبناء دولة مسلمة قوية وقادرة على الوقوف مع الكبار، ولعل عدم اهتمام العديد من الدول الإسلامية بالجانب الحضاري للإسلام هو ما أبقى هذه الدول أسيرة الفقر والتخلُّف؛ فانصباب الاهتمام الأول والأخير على جانب العبادات رغم أهميته جعل المسلمين يَغرقون فيه ولا يُبالون بالبحث عن سبل التقدُّم؛ فمثلاً في العديد من الدول الإسلامية يُقيم المسلمون الاحتفالات بما يُطلَق عليه المولد النبوي، في حين أنهم لا يَتأسَّون بسنَّته صلى الله عليه وسلم، ولا يستفيدون من هدْيه، رغم أنه كفيل بتحقيق كل ما يَصْبون إليه، بل إنهم خلال هذه الاحتفالات لا يتورَّعون عن ارتكاب مُخالفات شرعية والوقوع في الرذائل دون أي احترام لصاحب الذكرى.

ولكنك لم تردَّ على أسباب عدم انتشار التطرف والإرهاب في ماليزيا مقارنة بالدولة المُجاورة؟
د. محمد نخعي أحمد: عدم انتشار ظواهر التطرف والإرهاب يعود إلى الفهم الصحيح لمبادئ وتعاليم الإسلام، لا سيما في شقِّها الحضاري، وتحقيق البلاد لطفرة تنموية كبيرة أمَّنت لنا استقرارًا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وكذلك الإيمان بقيمة العِلم والعمل، وعدم وجود طاقات معطَّلة، ولكل هذه الأسباب استطعنا دحْرَ هذه النزعات المتطرِّفة في مَهدِها، وإبعاد خطرها عن ماليزيا، بعكس ما عانت منه العديد من الدول الإسلامية، رغم أن وجود قوميات وعرقيات إثنية ودينية تشكل “موزاييك” في البلاد البالغ تعداد سكنها 28 مليون نسمة، ويُشكِّل المسلمون 60% من عدد السكان، والباقي من الصينيِّين والهنود – كان كفيلاً بوجود مثل هذه النزعات، إلا أننا استطعنا تسخير هذا الموزاييك لخدمة البلاد.

قيادات ضَعيفة:
حقَّقت ماليزيا طفرة سياسية واقتصادية لا سيما في عهد رئيس الوزراء السابق محاضير محمد، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت نوعًا من التراجُع أجَّج المَخاوف على مستقبل البلاد!
د. محمد نخعي أحمد: كانت القاعدة في ماليزيا طوال سنوات هي تَسخير السلطة لخِدمة البلاد وتحقيق نهضتها وتقدُّمها، إلا أن هذا الأمر قد تبدَّل خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تحوَّلت السُّلطة لأداةٍ لخِدمة المصالح الخاصة، وتصاعدت حدَّة الخلافات والسِّجال السياسي بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، وأصبَح الصراع السياسي مُسَيطِرًا على الساحة السياسية بدرجة كبيرة، مما أضرَّ بمصالح الدولة كثيرًا، وأظنُّ أن ماليزيا تدفع حاليًّا فاتورة ضَعْف القيادة السياسية، وبالتحديد في مرحلة ما بعد محاضير محمد، ونأمل في المرحلة القادمة أن تتجاوَز ماليزيا مرحلة عنق الزجاجة التي تُعاني، وتعود قوية فتيَّة كما كانت دائمًا.

تركيزك على الجانب الحضاري للإسلام أجَّج مخاوفي على مستوى الوعي الدِّيني ودرجة الارتباط بالإسلام من جانب الشعب الماليزي!
د. محمد نخعي أحمد: مخاوفك لا أساس لها؛ فلدي رِضا وارتياحٌ كبيران عن ارتباط مسلمي ماليزيا بدِينهم، وهو ما يبدو واضحًا في الإقبال على الصلاة والصوم بأعداد تبدو قياسية؛ نتيجة وجود مؤسَّسات إسلامية قوية تضع على عاتقها تنمية الوعي الديني للمسلمين، والاستفادة من وجود 6 آلاف خرِّيج من جامعة الأزهر من ماليزيا، أسهموا مع غيرهم مع المتخرِّجين من الجامعة الإسلامية العالمية في البلاد في رفع مستوى الوعي الدِّيني، وأودُّ أن أشير هنا إلى استمرار التعاون مع جامعة الأزهر في إنشاء معاهد وكليات أزهرية في ماليزيا، وكذلك تلعَب المدارس والجامعات الإسلامية الموجودة في ماليزيا دورًا مُهمًّا في هذا السياق، وكذلك المساجد التي يَتجاوز عددها أكثر من 13 ألف مسجد دورًا مماثلاً في ربط الماليزيين بدينهم، وكذلك تظهر معالم النهضة الدينية للمسلمين بارتداء الغالبية الكاسحة من مُسلمات ماليزيا الحِجاب، وهو قرار اتَّخذتْه نساء وفتيات البلاد عن اقتناع ودون أيِّ ضغوط من أحد.

حصن منيع:
ترأسونَ مؤسَّسة الدعوة الإسلامية، فما هو دوركم في مواجهة الغزوة التنصيرية التي تُحاول النَّيل مِن هُويَّة مُسلمي ماليزيا؟
د. محمد نخعي أحمد: القانون في ماليزيا يَحظر بشكل تامٍّ قيام منظَّمات تبشيرية خارجية بالعمل في الساحة الماليزية، غير أنه لم يَحظر قيام مؤسَّسات داخلية بنشر دعوتها، فهناك العديد من المنظمات التنصيرية الداخلية تقوم بهذا الدور، وفي طليعتها “أنخيل برونيو”؛ حيث تتلقَّى هذه المنظمات معونات من منظمات كاثوليكية؛ كالفاتيكان، وبروتستانتية؛ كالكنسية الإصلاحية الأمريكية، للانتشار في طول البلاد وعرضِها، ونفْث سمومها عبر استخدام سلاح المال، وهو ما نحاول التصدي له، بالتحذير من خطرها، وفضْح مخطَّطاتها المشبوهة، ومن توفيق الله أنَّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المستقرة في ماليزيا تجعل الارتداد عن الدين أمرًا شديد الصعوبة، مما أسهم في إفشال مساعي المنظمات التنصيرية، ومما يُطمئن أن معظم حالات الارتداد في البلاد عن الإسلام تخصُّ أشخاصًا كانوا مسيحيين واعتنقوا الإسلام، وما لبثوا أن ارتدُّوا على أعقابهم.

صباح وثروة:
إذا كنتم مع المنظمات الأخرى تقومون بدور مهمٍّ في التصدي للأنشطة التنصيرية، فما هو دوركم أنتم في نشر الإسلام؟
د. محمد نخعي أحمد: تُمارس مؤسَّسة الدعوة الإسلامية نشاطًا دعويًّا مُكثَّفًا في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في ولاية “صباح وثروة” ذات الأغلبية المسيحية، وقد حقَّقنا في هذه الولاية نجاحات كبيرة، تمثَّلت في اعتناق ما يقرب من 8 آلاف من أبناء الولاية الإسلامَ خلال السنوات الستِّ السابقة، مما يقدِّم دليلاً على أن مؤسسة الدعوة لا تكتفي بدورها في تنمية الوعي الدِّيني للماليزيين، بل تقوم بدور متميز في هداية الآلاف من المسيحيين والوثنيين.

أوردت عديد من التقارير تحذيراتٍ عن انتشار المد الشيعي في ماليزيا والعديد من الدول المجاورة، فكيف تعاملتم مع هذا الأمر؟
د. محمد نخعي أحمد: نحن مُنتبهون بقوة لهذا الخطر الداهم والمهدِّد لهوية شعوب المنطقة السنيَّة؛ لذا نعمل كمؤسسات إسلامية للتحذير من هذا الخطر، ونُطالب برفض الاستماع للمروِّجين لهذا المذهب، بل إننا لم نركِّز فقط على المواجهة الداخلية، بل سعينا لحشد العديد من الدول المُجاورة – مثل إندونيسيا وبروناي – كي تظلَّ منطقة شعوب الملايو معقِلاً لأهل السنة والجماعة، وتبقى بعيدة عن المد الشيعي، وأعتقد أننا بذلْنا جهودًا كبيرةً في هذا المَجال، وأوجدْنا نوعًا من الحصانة لدى شعوب المنطقة لمواجهة هذا الخطر؛ سعيًا للحفاظ على هويتنا من جانب، ومن جانب آخر تجنُّبُ ما حدث في بعض الدول العربية والإسلامية مِن شِقاق وتقاتُل وفتنة.

اهتمامات اقتصادية:
تُبدون اهتمامًا شديدًا بشؤونكم الداخلية والإقليمية، وهو ما انعكس بالسَّلب على مستوى اهتمامكم بالقضايا الإسلامية؟
د. محمد نخعي أحمد: كل دولة لها أسلوبها في التعامل مع القضايا الإسلامية بالأسلوب الذي تراه مُناسبًا، وقد ركزت ماليزيا على الشقِّ الاقتصادي في التعامل مع هذه القضايا، فمثلاً تقدِّم ماليزيا مساعدات اقتصادية للسُّلطة الفلسطينية منذ سنوات، وقد ضاعفنا هذه المساعدات لدعم قطاع غزة المُحاصَر، وكذلك تتعاون ماليزيا مع العديد من الدول العربية في مجالات متعدِّدة، ولدينا شركات نفطية تعمل في السودان وغيرها، انطلاقًا مِن رؤيتنا التي تركِّز على التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية كأداة لحلِّ عديد من المُشكلات.

على ذِكر المحرقة الصِّهيونيَّة جرَت مُحاولات في الماضي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فإلى أين وصل هذا الأمر؟
د. محمد نخعي أحمد: لا توجد أيَّة علاقات بين إسرائيل وماليزيا من أي نوع، وأعتقِد أن بعض الخطوات التي جرت في السابق لم تتجاوَز مُحاولات خجولة لإقناع إسرائيل بدعم عملية السلام وتقديم تنازلات للفلسطينيِّين، إلا أن الأمر توقف في حينه بعد تراجُع إسرائيل وانهيار عملية السلام، وأعتقِد أن التطبيع مع إسرائيل غير موجود على أجندة الساسة الماليزيِّين على مختلف ألوان أطيافهم السياسية في المستقبل القريب أو حتى البعيد ما دام الفلسطينيون لم يرَوا دولتهم وعاصمتها القدس الشريف تَخرج إلى النور، وإلى أن يَحدث هذا فسيكون لكل حدَثٍ حَديث.

مسؤولية الغرب:
تُبدون دائمًا اهتمامًا بقضية إزالة الاحتقان بين الإسلام والغرب، ولكن الأمور تتصاعد وبشكل سلبي، في رأيك من المسؤول عن هذا الاحتقان؟
د. محمد نخعي أحمد: الغرب بكل المقاييس هو المسؤول عن هذا الاحتقان؛ فمنذ انتصاره في الحرب الباردة، وقبله بعقود بعد إخضاعه للدولة العثمانية أخَذ ينظر لنفسه كمركز للحضارات، وتناثَرت نظريات نهاية التاريخ وصدام الحضارات وما تبعها من النظر للآخر باعتباره قزمًا، وتملَّكَه شعور بأن من حقِّه أن يُزيح الآخر في ظل افتقاده القدرة والإمكانات، وبالتالي فليس أمام الآخر إلا أن يتطوع لخدمة الغرب، أو يلاقي مصيرًا بائسًا، وقد أسهمت هذه الرؤية في تكريس أجواء الاحتقان بين الإسلام والغرب.

هل ترى أن أجواء الاحتقان هذه مرشَّحة للاستمرار لفترة طويلة أم أن بشائر زَوالها قد بدت في الأفق؟
ردم الهوة:
د. محمد نخعي أحمد: من خلال الواقع المعاصر لا أعتقد أن هناك بوادر لتراجُع حدة الاحتقان بين الغرب والإسلام؛ فهم ما زالوا الطرف الأقوى في المعادلة، بما يَمتلكونه من قوة مادية؛ “جيوش منظَّمة، وإستراتيجيات واضحة المعالم والأبعاد، واقتصاد متين، ومجتمع حي يتطلَّع إلى السيطرة على العالم”، فيما نرزَح نحن في أجواء الضعف والمرض؛ فهو مشتَّت اجتماعيًّا، ومجزأ جغرافيًّا وسياسيًّا، ويعيش أجواءَ غموض إستراتيجي وتخبُّط عشوائي في مناهجه ورُؤَاه، وصولاً إلى تحقيق نجاحات كبيرة فيما يخصُّ إلحاق الهزيمة بالعقل الإسلامي وتنفيره من منظومته الدينية والثقافية والاجتماعية؛ لذا فلا أعتقد أن مثل هذه الأجواء تقود لتوافُق بين الغرب والإسلام، بل أعتقد أن الشقَّة ستتوسَّع بين الطرفين، وستأخُذ طابعًا أكثر عُنفًا إذا لم يُحاول الغرب ردم الهوة مع العالم الإسلامي والتوصُّل إلى حلول للمشاكل الصعبة، مثل الأوضاع في العراق وفلسطين.

 

الألوكة

أكتب التعليق